محمد بن زكريا الرازي
159
الحاوي في الطب
الجوف بعد ، حتى يهيج مثل الحمى ؛ فالعضل الملبس على البدن أقيم مقام شيء يجذب هذه الفضول أو يقبلها ويسخن فيه ويتحلل ، ويكون ذلك بأدوار الاستواء لعلة من القبول والدفع ، وإنما يهيج بالإنسان - فهو بحاله الطبيعية - برودة ثم تعقبه حرارة ، لأن حال عضله الملبس على بدنه في تلك الحال كحال من يتغذى فيبرد أولا ثم يسخن . الخامسة عشر من « النبض » - سمعت منه كلاما يجب أن ألصق هذا الكلام بهذا الموضع : هو أن الشيء الذي لم يستحل إلى جوهر الدم في العروق تدفعه الطبيعة أولا أولا إلى العضل الملبس على البدن ، فيكون بمنزلة الغذاء الوارد على الجسم وهو غير منهضم ، ثم يأخذ في طريق الهضم إذا سخن ، فكذلك هذا الشيء الوارد من العروق الغير المنهضم إذا ورد على العضل أورثه بردا يهويه ثم يأخذ في طريق الإسخان والنضج قليلا قليلا ، ثم يعقب سخونة . تسأل : لم لا يستحيل الشيء الذي هو حاصل في العروق الطبيعية قبل أن تصل إلى العضل الملبس ؟ وقد بان في هذا من كلام له في هذا الباب وهو أن العروق لا تشعر به فلا يحفز الطبيعة إلى حالته البتة ولكن الشك فيه أن يقال : هب العروق لا تحس به أليس كان يجب للطبيعة أن تحس به ، وهي التي أعطت العضل الحركة والحس ؟ وله أن يقول في جواب هذا : إن الطبيعة تشعر بحسب الدلالة التي تكون فيها ، فشعورها بالعصب ، قائم وبالعروق معدوم ، وكذلك بالربط والأوتار ، لأن الإجماع واقع على أن الربط والأوتار لا حس لها . الخامسة عشر من « النبض » : يبرد البدن ثم تشتعل فيه حمى ، لأنه ينصب إلى باطنه خلط بارد غاية البرد كثير حتى يكاد أن يطفئ حرارة القلب ، ثم يأخذ القلب يعمل فيه أولا أولا حتى يستحيل ويلتهب ؛ فتلتهب بذلك الحمى . أهرن : الحميات اللازمة تكون لأن العفن فيها في بعض العروق ، فتصل لذلك الحرارة سريعا إلى القلب ؛ وأما النائبة فإنها لا يكون منها حمى يحمى بها البدن كله حتى يصير ذلك بإبطاء إلى القلب . الأولى من « مسائل أبيذيميا » ؛ قال : كانت الحميات حينئذ دائمة ، لأنه لم يكن يتحلل من الأبدان شيء ، وقل ما يتحلل . لي : الحميات تطول نوائبها أو تتصل لعسر التحلل أو لكثرة الفضل . وعسر التحلل يكون إما لسبب الفضل نفسه وإما لسبب البدن . لي : يكتب من أدوار الحميات « مسائل حنين » في علل الحميات . لي : ابن ماسويه قال : علل الحميات في أدوارها ونوائبها تختلف إما من أجل الأخلاط أنفسها وإما في كيفيتها وإما في كميتها وإما من حال البدن في سخافته وكثافته والمواضع المحصورة منه ؛ أما في كيفيتها فإذا كانت رقيقة أو غليظة لزجة ، أو كانت حارة سهلة الاشتعال أو باردة ؛ أو سريعة للمواطأة للعفن أو بطيئة ؛ وأما من الكمية فإذا كانت قليلة